محمد بن عمر التونسي
284
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
« 1 » وكنت حين حللت ببلادهم ، ولم أعتد باعتيادهم ، صنعوا في الدارويكة « 1 » ، ودعوني أن آكل منها فأبيت ، ولما سمع والدي بذلك قال لي : حيث لم ترض أن تأكل من هذا الأدم ، لم جئت هنا ؟ وصار متحيّرا ، فكان يتكلّف ويصنع لي أرزا بلبن . ولمّا توجّهت إلى الفاشر ، ونزلت في بيت الفقيه مالك الفوتاوى ، حضر العشاء فرأيت الأدم مرّا ، فسألت : ما هذا ؟ فقيل لي : هذه ويكة الهجليج . فأبيت أن آكل منها . فجاءوني بأدم آخر ، فشممت منه رائحة منتنة . فقلت : ما لهذا منتن « 2 » ؟ ! فقيل لي : هذه ويكة الدّودرى ، وهي جيّدة عندهم . فأبيت أن آكل منها . فأخبر الفقيه مالك بذلك ، فأرسل لي لبنا حليبا عليه عسل ، فأكلت منه . ولمّا حضر في ديوانه للسّمر قال لي : لم لم تأكل من ويكة ( 260 ) الهجليج أو الدّودرى ؟ فقلت له : إحداهما مرّة ، وثانيتهما متعفّنة . فقال : هذا هو الطعام الذي يصلح في بلادنا ، ومن لم يأكل هكذا يخشى على نفسه من الأمراض . والدّودرى : ويكة تتّخذ من عظام الغنم والبقر وسائر الحيوانات ، وهو أنّهم يأخذون عظم الرّكبة وعظم الصّدر ، ويجرّدون ما عليها من اللحم ، ثم يضعون العظام في خابية ، ويتركونها أياما حتى تعفن ، فيخرجونها ويهرسونها في هاون حتى ينهرس العظم في اللحم ، ويصنعونه كرات في جرم البرتقان الكبير ، فإذا أرادوا الطبخ أخذوا قطعة من كرة وذوّبوها في الماء ، فإن كان فيها قطع من عظم صفّوها من مصفاة ، ثم صبّوا ذلك الماء في القدر ، ووضعوه على النار ، حتى يصير له قوام ، فيأتون بقدر صغير
--> ( 1 - 1 ) كذا بالأصل والعبارة ركيكة وكان أولى بالمؤلف أن يقول مثلا : وحدث حين حللت ببلادهم ، ولم أعتد باعتيادهم ، أن صنعوا في الدار ويكة . ( 2 ) كذا .